قال ابن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزو بني النضير شهر ربيع الآخر وبعض جمادى ، ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان ، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ، ويقال : عثمان بن عفان ، فيما قال ابن هشام :
قال ابن إسحاق : حتى نزل نخلا ، وهي غزوة ذات الرقاع
قال ابن هشام : وإنما قيل لها غزوة ذات الرقاع ، لأنهم رقعوا فيها راياتهم ؛ ويقال : ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع ، يقال لها : ذات الرقاع .
قال ابن إسحاق : فلقي بها جمعا عظيما من غطفان ، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب ، وقد خاف الناس بعضهم بعضا ، حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف ، ثم انصرف بالناس .
قال ابن هشام : حدثنا عبدالوارث بن سعيد التنوري - وكان يكنى : أبا عبيدة - قال : حدثنا يونس بن عبيد ، عن الحسن بن أبي الحسن ، عن جابر بن عبدالله في صلاة الخوف ، قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة ركعتين ثم سلم ، وطائفة مقبلون على العدو . قال : فجاءوا فصلى بهم ركعتين أخريين ، ثم سلم .
قال ابن هشام : وحدثنا عبدالوارث ، قال : حدثنا أيوب ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : صفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صفين ، فركع بنا جميعا ، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسجد الصف الأول ، فلما رفعوا سجد الذين يلونهم بأنفسهم ، ثم تأخر الصف الأول ، وتقدم الصف الآخر حتى قاموا مقامهم ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم بهم جميعا ، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم وسجد الذين يلونه معه ؛ فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون بأنفسهم ، فركع النبي صلى الله عليه وسلم بهم جميعا ، وسجد كل واحد منهما بأنفسهم سجدتين .
قال ابن هشام : حدثنا عبدالوارث بن سعيد التنوري ، قال : حدثنا أيوب عن نافع ، عن ابن عمر ؛ قال : يقوم الإمام وتقوم معه طائفة ، وطائفة مما يلي عدوهم فيركع بهم الإمام ويسجد بهم ، ثم يتأخرون فيكونون مما يلي العدو ، ويتقدم الآخرون فيركع بهم الإمام ركعة ، ويسجد بهم ، ثم تصلي كل طائفة بأنفسهم ركعة ، فكانت لهم مع الإمام ركعة ركعة ، وصلوا بأنفسهم ركعة ركعة .
غورث يهمُّ بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم وما نزل فيه من قرآن
قال ابن إسحاق : وحدثني عمرو بن عبدي ، بن الحسن ، عن جابر بن عبدالله ، أن رجلا من بني محارب ، يقال له : غورث ، قال لقومه من غطفان ومحارب : ألا أقتل لكم محمدا ؟ قالوا : بلى ، وكيف تقتله ؟ قال : أفتك به . قال : فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس ، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره ، فقال : يا محمد أنظر إلى سيفك هذا ؟ قال : نعم ، - وكان محلى بفضة ، فيما قال ابن هشام - قال : فأخذه فاستله ، ثم جعل يهزه ، ويهم فيكبته الله ؛ ثم قال : يا محمد ، أما تخافني ؟ قال : لا ، وما أخاف منك ! قال : أما تخافني وفي يدي السيف ؟ قال : لا ، يمنعني الله منك . ثم عمد إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرده عليه . قال : فأنزل الله
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان : أنها إنما أنزلت في عمرو بن جحاش ، أخي بني النضير وما هم به ، فالله اعلم أي ذلك كان .
قال ابن إسحاق : وحدثني وهب بن كيسان عن جابر بن عبدالله ، قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل ، على جمل لي ضعيف ؛ فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : جعلت الرفاق تمضي ، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما لك يا جابر ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، أبطأ بي جملي هذا ؛ قال : أنخه ؛ قال : فأنخته وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ثم قال : أعطني هذه العصا من يدك ، أو اقطع لي عصا من شجرة ، قال : ففعلت . قال : فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات ، ثم قال : اركب ، فركبت ، فخرج ، والذي بعثه بالحق ، يواهق ناقته مواهقة .
قال : وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لي : أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، بل أهبه لك ؛ قال : لا ، ولكن بعْنِيه ، قال : قلت : فسمنيه يا رسول الله ؛ قال : قد أخذته بدرهم ، قال : قلت : لا ، إذن تغبنني يا رسول الله ! قال : فبدرهمين ؛ قال : قلت : لا . قال : فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمنه حتى بلغ الأوقية . قال : فقلت : أفقد رضيت يا رسول الله ؟ قال : نعم . قلت : فهو لك ؛ قال : قد أخذته .
قال : " ثم قال : يا جابر ، هل تزوجت بعد ؟ " قال : قلت : نعم يا رسول الله ، قال : أثيبا أم بكرا ؟ قال : قلت : لا ، بل ثيبا ؛ قال ؛ أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك ! قال : قلت : يا رسول الله ، إن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا ، فنكحت امرأة جامعة ، تجمع رؤوسهن ، وتقوم عليهن ؛ قال : أصبت إن شاء الله ، أما إنا لو قد جئنا صراراً أمرنا بجزور فنُحرت ، وأقمنا عليها يومنا ذاك ، وسمعت بنا ، فنفضت نمارقها . قال : قلت : والله يا رسول الله ما لنا من نمارق ؛ قال : إنها ستكون ، فإذا أنت قدِمت فاعمل عملا كيسا .
قال : فلما جئنا صراراً أمر رسول الله صلى الله عله وسلم بجزور فنحرت ، وأقمنا عليها ذلك اليوم ؛ فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا ؛ قال : فحدثت المرأة الحديث ، وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قالت : فدونك ، فسمع وطاعة .
قال : فلما أصبحت أخذت برأس الجمل ، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال : ثم جلست في المسجد قريبا منه ؛ قال : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأى الجمل ؛ فقال : ما هذا ؟ قالوا : يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر ؛ قال : فأين جابر ؟ قال : فدعيت له ؛ قال : فقال : يا ابن أخي خذ برأس جملك ، فهو لك ، ودعا بلالاً ، فقال له : اذهب بجابر ، فأعطه أوقية . قال : فذهبت معه ، فأعطاني أوقية ، وزادني شيئا يسيراً . قال : فوالله ما زال ينمي عندي ، ويرى مكانه من بيتنا ، حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا يعني يوم الحرة .
ما أصيب به صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحراسة
قال ابن إسحاق : وحدثني عمي صدقة بن يسار ، عن عقيل بن جابر ، عن جابر بن عبدالله الأنصاري ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع من نخل ، فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين ؛ فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا ، أتى زوجها وكان غائبا ، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم دما ، فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنـزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منـزلا ، فقال : من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه ؟ قال : فانتدب رجل من المهاجرين ، ورجل آخر من الأنصار ، فقالا : نحن يارسول الله ؛ قال : فكونا بفم الشّعب . قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي ، وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر ، فيما قال ابن هشام .
قال ابن إسحاق : فلما خرج الرجلان إلى فم الشِّعب ، قال الأنصاريّ للمهاجريّ أيَّ الليل تحب أن أكفيكه : أوله أم آخره ؟ قال : بل اكفني أوله ؛ قال : فاضطجع المهاجري فنام ، وقام الأنصاري يصلي ، قال : وأتى الرجل ، فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة ( طليعة ) القوم . قال : فرمى بسهم ، فوضعه فيه ؛ قال : فنـزعه ووضعه ، فثبت قائما ؛ قال : ثم رماه بسهم أخر فوضعه فيه . قال : فنـزعه فوضعه وثبت قائما ؛ ثم عاد له بالثالث ، فوضعه فيه ؛ قال : فنـزعه فوضعه ثم ركع وسجد ، ثم أهب صاحبه فقال : اجلس فقد أثبتُّ ، قال : فوثب فلما رأهما الرجل عرف أن قد نذرا به ، فهرب . قال : ولما رأى المهاجريّ ما بالأنصاريّ من الدماء قال : سبحان الله ! أفلا أهببتني أول ما رماك ؟ قال : كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها ، فلما تابع على الرمى ركعت فأذنتك ، وايم الله ، لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه ، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها .
رجوع رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال ابن هشام : ويقال : أنفذها .
قال ابن إسحاق : ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة الرقاع ، أقام بها بقية جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجبا .
غزوة بدر الآخرة في شعبان سنة أربع
خروج الرسول لملاقاة أبي سفيان ورجوع أبي سفيان أإلى مكة
قال ابن إسحاق : ثم خرج في شعبان إلى بدر ، لميعاد أبي سفيان حتى نزله .
استعماله ابن أبي على المدينة
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة عبدالله بن أبي ابن سلول الأنصاري .
رجوع أبي سفيان في رجاله
قال ابن إسحاق : فأقام عليه ثماني ليال ينتظر أبا سفيان ، وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة ، من ناحية الظهران ؛ وبعض الناس يقول : قد بلغ عسفان ، ثم بدا له في الرجوع ، فقال : يا معشر قريش ، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر ، وتشربون فيه اللبن ، وإن عامكم هذا عام جدب ، وإني راجعٌ ، فارجعوا ، فرجع الناس ، فسماهم أهل مكة جيش السويق ، يقولون : إنما خرجتم تشربون السويق . الرسول مخشي الضمري
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده ، فأتاه مخشي بن عمرو الضمري ، وهو الذي كان وادعه على بني ضمرة في غزوة ودان ، فقال : يا محمد ، أجئت للقاء قريش على هذا الماء ؟ قال : نعم، يا أخا بني ضمرة ، وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك ، ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك ، قال : لا والله يا محمد ، ما لنا بذلك منك من حاجة .
ما قاله معبد الخزاعي من الشعر في ناقة للرسول هوت
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أبا سفيان ، فمر به معبد بن أبي معبد الخزاعي ، فقال ، وقد رأى مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وناقته تهوي به :
قد نفرت من رفقتي محمد * وعجوة من يثرب كالعنجد
تهوي على دين أبيها الأتلد * قد جعلت ماء قديد موعدي
وماء ضجنان لها ضحى الغد
ما قاله أحد صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة
وقال عبدالله بن رواحة في ذلك - قال ابن هشام : أنشدنيها أبو زيد الأنصاري لكعب بن مالك :
وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد * لميعاده صدقا وما كان وافيا
فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا * لأبت ذميما وافتقدت المواليا
تركنا به أوصال عبتة وابنه * وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا
عصيتم رسول الله أفٍّ لدينكم * وأمركم السيء الذي كان غاويا
فإني وإن عنفتموني لقائل * فدى لرسول الله أهلى وماليا
أناه لم نعدله فينا بغيره * شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا
شعر حسَّان في ذلك
وقال حسَّان بن ثابت في ذلك :
دعوا فَلَجات الشام قد حال دونها * جلاد كأفواه المخاض الأوَارِك
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم * وأنصارِه حقا وأيدي الملائك
إذا سلكت للغور من بطن عالج * فقولا لها ليس الطريق هنالك
أقمنا على الرس النـزوع ثمانيا * بأرعن جرار عريض المبارك
بكل كُمَيت جوزُه نصف خلقه * وقبٍّ طوال مشرفات الحوارك
ترى العرفج العاميَّ تذري أصوله * مناسِم أخفاف المطيّ الرواتك
فإن نلق في تطوافنا والتماسنا * فرات بن حيان يكن رهن هالك
وإن تلق قيس بن امرىء القيس بعده * يزد في سواد لونه لون حالك
فأبلغ أبا سفيان عني رسالة * فإنك من غرِّ الرجال الصعالك
أبو سفيان يرد على حسَّان
فأجابه أبو سفيان بن الحارث ابن عبدالمطلب ، فقال :
أحسَّان إنا يابن آكلة الفغا * وجدك نغتال الخروق كذلك
خرجنا وما تنجوا اليعافير بيننا * ولو وألت منا بشَدٍّ مدَارِك
إذا ما انبعثنا من مناخ حسبته * مدَمَّن أهل الموسم المتعارك
أقمتَ على الرس النـزوع تريدنا * وتتركنا في النخل عند المدارك
على الزرع تمشى خلينا وركابنا * فما وطئت ألصقنه بالدَّكادك
أقمنا ثلاثا بين سلع وفارع * بجرد الجياد والمطي الرواتك
حسبتم جلاد القوم عند قبابهم * كمأخذكم بالعين أرطال آنك
فلا تبعثِ الخيل الجياد وقل لها * على نحو قول المعصم المتماسك
سعدتم بها وغيركم كان أهلها * فوارس من أبناء فهر بن مالك
فإنك لا في هجرة إن ذكرتها * ولا حرمات الدين أنت بناسك
قال ابن هشام : بقيت منها أبيات تركناها لقبح اختلاف قوافيها ، وانشدني أبو زيد الأنصاري هذا البيت :
خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا
والبيت الذي بعده لحسَّان بن ثابت في قوله
دعو فلجات الشأم قد حال دونها
وأنشدني له فيها بيته " فأبلغ أبا سفيان "
موعدها
قال ابن إسحاق : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فأقام من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها أشهرا حتى مضى ذو الحجة وولى تلك الحجة المشركون وهي سنة أربع ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم دُومة الجندل .
استعمال ابن عرفطة على المدينة
قال ابن هشام : في شهر ربيع الأول ، واستعمل على المدينة سِباع بن عرفطة الغفاري .
رجوع رسول الله
قال ابن إسحاق : ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إليها ، ولم يلق كيدا ، فأقام بالمدينة بقية سنته . "
غزوة الخندق في شوال سنة خمس
تاريخها
حدثنا أبو محمد عبدالملك بن هشام ، قال : حدثنا زياد بن عبدالله البكائي ، عن محمد بن إسحاق المطلبي ، قال : ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس .
اليهود تحزب الأحزاب
فحدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير بن عروة بن الزبير ،ومن لا أتهم ، عن عبدالله بن كعب بن مالك ، ومحمد بن كعب القرظي ، والزُّهري ، وعاصم بن عمر بن قَتادة ، و عبدالله بن أبي بكر ، وغيرهم من علمائنا ، كلهم قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق ، وبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض ، قالوا : إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود ، منهم : سلاّم ابن أبي الحقيق النَّضري ، وحيي بن أخطب النضري ، وكنانة بن أبي الحُقيق النضري ، وهوذة بن قيس الوائلي ، وأبو عمار الوائلي ، في نفر من بني النَّضير ، ونفر من بني وائل ، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة ، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : إنا سنكون معكم عليه ، حتى نستأصله ؛ فقالت لهم قريش : يا معشر يهود ، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصحبحنا نختلف فيه نحن ومحمد ، أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أولى بالحق منه . فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :
تحريض اليهود لغطفان
قال : فلما قالوا ذلك لقريش ، سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه ، من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له ، ثم خرج أولئك النفر من يهود ، حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان ، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه ، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك ، فاجتمعوا معهم فيه .
خروج الأحزاب من المشركين
قال ابن إسحاق : فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب ، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة ، والحارث بن عوف بن حارثة المري في بني مرة ، ومسعر بن رحيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبدالله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع ،
حفر الخندق و تخاذل المنافقين و جدّ المؤمنين
فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أجمعوا له من الأمر ، ضرب الخندق على المدينة ، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيباً للمسلمين في الأجر ، وعمل معه المسلمون فيه ، فدأب فيه ، ودأبوا ، وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين ، وجعلوا يورُّون بالضعيف من العمل ، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن ، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد له منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له ، فإذ قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له .
ما نزل من القرآن في حق العاملين في الخندق مؤمنهم ومنافقهم
فأنزل الله تعالى في أولئك من المؤمنين
ثم قال تعالى : يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن من النبي صلى الله عليه وسلم
تفسير ابن هشام لبعض الغريب
قال ابن هشام : اللواذ : الاستتار بالشيء عند الهرب ، قال حسَّان بن ثابت :
وقريش تفر منا لواذا * أن يقيموا وخف منها الحلوم .
وهذا البيت في قصيدة له قد ذكرتها في أشعار يوم أحد " ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه "
قال ابن إسحاق : من صدق أو كذب " ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم "
المسلمون يرتجزون وهم يعملون في حفر الخندق
قال ابن إسحاق : وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له جعيل ، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا ، فقالوا :
سماه من بعد جعيل عمرا * وكان للبائس يوما ظهرا .
فإذا مروا "بعمرو" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عمراً ، وإذا مروا "بظهر" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ظهرا .
معجزات ظهرت في حفر الخندق
قال ابن إسحاق : وكان في حفر الخندق أحاديث بلغتني ، فيها من الله تعالى عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحقيق نبوّته ، عاين ذلك المسلمون .
ظهور معجزة الكدية والتغلب عليها
فكان مما بلغني أن جابر بن عبدالله كان يحُدث : أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية ، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا بإناء من ماء ، فتفل فيه ؛ ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية ؛ فيقول من حضرها : فوالذي بعثه بالحق نبيا ، لانهالت حتى عادت كالكثيب ، لا تردّ فأساً ولا مِسحاة .
ما تحقق من البركة في تمر ابنة بشير
قال ابن إسحاق : وحدثني سعيد بن مينا ، أنه حُدِّث : أن ابنة لبشير بن سعد ، أخت النعمان بن بشير ، قالت : دعتني أمي عمرة بنت رواحة ، فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي ، ثم قالت : أي بنية ، اذهبي إلى أبيك وخالك عبدالله بن رواحة بغدائهما ، قالت : فأخذتها ، فانطلقت بها ، فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالي ؛ فقال : تعالي يا بنية ، ما هذا معك ؟ قالت : فقلت : يا رسول الله ، هذا تمر ، بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد ، وخالي عبدالله بن رواحة يتغديانه ؛ قال : هاتيه ؛ قالت : فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما ملأتهما ، ثم أمر بثوب فبسط له ، ثم دحا بالتمر عليه ، فتبدد فوق الثوب ، ثم قال لإنسان عنده : اصرخ في أهل الخندق : أن هَلُم إلى الغداء . فاجتمع أهل الخندق عليه ، فجعلوا يأكلون منه ، وجعل يزيد ، حتى صدر أهل الخندق عنه ، وإنه ليسقط من أطراف الثوب .
ما تحقق من البركة في دعوة جابر للطعام
قال ابن إسحاق : وحدثني سعيد بن مينا ، عن جابر بن عبدالله ، قال : عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق ، فكانت عندي شويهة ، غير جِدِّ سمينة . قال : فقلت : والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال : فأمرت امرأتي ، فطحنت لنا شيئا من شعير ، فصنعت لنا منه خبزا ، وذبحت تلك الشاة ، فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال : فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف عن الخندق - قال : وكنا نعمل فيه نهارنا ، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا - قال : قلت : يا رسول الله ، إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا ، وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير ، فأحبُّ أن تنصرف معي إلى منـزلي ، وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده .
قال : فلما أن قلت له ذلك ؛ قال : نعم ، ثم أمر صارخا فصرخ : أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبدالله ؛ قال : قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ! قال : فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل الناس معه ؛ قال : فجلس وأخرجناها إليه . قال : فبرك وسمى الله ، ثم أكل ، وتواردها الناس ، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس ، حتى صدر أهل الخندق عنها .
بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتوح
قال ابن إسحاق : وحُدثت عن سلمان الفارسي ، أنه قال : ضربت في ناحية من الخندق ، فغَلُظت علي صخرة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني ؛ فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي ، نزل فأخذ المعول من يدي ، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة ؛ قال : ثم ضرب به ضربة أخرى ، فلمعت تحته برقة أخرى ؛ قال : ثم ضرب به الثالث ، فلمعت تحته برقة أخرى . قال : قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب ؟ قال : أو قد رأيت ذلك يا سلمان ؟ قال : قلت : نعم ؛ قال : أما الأولى فإن الله فتح علي بها اليمن ؛ وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب ؛ وأما الثالثة فإن الله فتح على بها المشرق .
قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة أنه كان يقول ، حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده : افتتحوا ما بدا لكم ، فوالذي نفس أبي هريرة بيده ، ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك .
وصول المشركين المدينة
قال ابن إسحاق : ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق ، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة ، بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ، ومن تبعهم من بنى كنانة وأهل تهامة ، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد ، حتى نزلوا بذنب نقمي ، إلى جانب أحد . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع ، في ثلاثة آلاف من المسلمين ، فضرب هنالك عسكره ، والخندق بينه وبين القوم .
استعمال ابن أم مكتوم على المدينة
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم .
قال ابن إسحاق : وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام .
حيي بن أخطب يحرض كعب بن أسد على نقض العهد
قال : وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري ، حتى أتى كعب بن أسد القرظي ، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم ، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه ، وعاقده على ذلك وعاهده ؛ فلما سمع كعب يحيى بن أخطب أغلق دونه باب حصنه ، فاستأذن عليه ، فأبى أن يفتح له ، فناداه حيي : ويحك يا كعب ! افتح لي ؛ قال : ويحك يا حيي ، إنك امرؤ مشئوم ، وإني قد عاهدت محمدا ، فلست بناقض ما بيني وبينه ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا ؛ قال : ويحك افتح لي أكلمك ؛ قال : ما أنا بفاعل ؛ قال : والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك أن آكل معك منها ؛ فأحفظ الرجل ، ففتح له ؛ فقال : ويحك يا كعب ؛ جئتك بعز الدهر وببحر طام ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها ، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة ؛ وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد ، قد عاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه . قال : فقال له كعب : جئتني والله بِذُلِّ الدهر ، وبجهام ( السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه ) قد هراق ماءه ، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء ، ويحك يا حيي ! فدعني وما أنا عليه ، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء . فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب ، حتى سمح له ، على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ، ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك . فنقض كعب بن أسد عهده ، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الرسول عليه الصلاة والسلام يستوثق من نقض كعب ميثاقه
فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان ، وهو يومئذ سيد الأوس ، وسعد بن عبادة بن دليم ، أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج ، وهو يومئذ سيد الخزرج ، ومعهما عبدالله بن رواحة ، أخو بني الحارث بن الخزرج ، وخوات بن جبير ، أخو بني عمرو بن عوف ؛ فقال : انطلقوا حتى تنظروا ، أحَقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ، ولا تَفُتُّوا في أعضاد الناس ، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس . قال : فخرجوا حتى أتوهم ، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ، فيما نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد . فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه ، وكان رجلا فيه حده ؛ فقال له سعد بن عبادة : دع عنك مشاتمتهم ، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة . ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلموا عليه ، ثم قالوا : عضل والقارة ؛ أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع ، خبيب وأصحابه ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر ، أبشروا يا معشر المسلمين .
الخوف يعم المسلمين و ظهور النفاق من المنافقين
قال : وعظم عند ذلك البلاء ، واشتد الخوف ، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم ، حتى ظن المؤمنون كل ظن ، ونجم النفاق من بعض المنافقين ، حتى قال معتب بن قشير ، أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط .
لم يكن معتب منافقا
قال ابن هشام : وأخبرني من أثق به من أهل العلم : أن معتب بن قشير لم يكن من المنافقين ، واحتج بأنه كان من أهل بدر .
قال ابن إسحاق : وحتى قال أوس بن قيظي ، أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله ، إن بيوتنا عورة من العدو ، وذلك عن ملأ من رجال قومه ، فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا ، فإنها خارج من المدينة . فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة ، قريبا من شهر ، لم تكن بينهم حرب إلا الرَّميِّا بالنبل والحصار .
قال ابن هشام : ويقال الرَّميْا
محاولة الرسول عقد الصلح مع غطفان ثم عدوله
فلما اشتد على الناس البلاء ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، ومن لا أتهم ، عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري ، وهما قائدا غطفان ، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه ، فجرى بينه وبينهما الصلح ، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح ، إلا المراوضة في ذلك . فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فذكر ذلك لهما ، واستشارهما فيه ؛ فقالا له : يا رسول الله ، أمرا تحبه فنصنعه ، أم شيئا أمرك الله به ، لا بد لنا من العمل به ، أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال : بل شيء أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ؛ فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان ، لا نعبدالله ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى ( ضيافة ) أو بيعا ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه ، نعطيهم أموالنا ! والله ما لنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأنت وذاك . فتناول سعد بن معاذ الصحيفة ، فمحا ما فيها من الكتاب ، ثم قال : ليجهدوا علينا .
من حاول عبور الخندق من المشركين
قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، وعدوهم محاصروهم ، ولم يكن بينهم قتال ، إلا أن فوارس من قريش ، منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس ، أخو بني عامر بن لؤي .
قال ابن هشام : ويقال عمرو بن عبد بن أبي قيس -
قال ابن إسحاق : وعكرمة بن أبي جهل ، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان ، وضرار بن الخطاب الشاعر ابن مرداس ، أخو بني محارب بن فهر ، تلبسوا للقتال ، ثم خرجوا على خيلهم ، حتى مروا بمنازل بني كنانة ، فقالوا : تهيئوا يا بني كنانة للحرب ، فستعلمون من الفرسان اليوم . ثم أقبلوا تُعْنِق بهم خيلهم ، حتى وقفوا على الخندق ، فلما رأوه قالوا : والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها .
سلمان يشير بحفر الخندق
قال ابن هشام : يقال : إن سلمان الفارسي أشار به على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وحدثني بعض أهل العلم : أن المهاجرين يوم الخندق قالوا : سلمان منا ؛ وقالت الأنصار : سلمان منا ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلمان منا أهل البيت .
علي يقتل عمرو بن عبد ود
قال ابن إسحاق : ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق ، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه ، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع ، وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام في نفر معه من المسلمين ، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم ، وأقبلت الفرسان تُعْنِق نحوهم ، وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة ، فلم يشهد يوم أحد ؛ فلما كان يوم الخندق خرج مُعْلِما ليرى مكانه . فلما وقف هو وخيله ، قال : من يبارز ؟ فبرز له علي بن أبي طالب ، فقال له : يا عمرو ، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خَلَّتين إلا أخذتها منه ، قال له : أجل ؛ قال له علي : فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله ، وإلى الإسلام ؛ قال : لا حاجة لي بذلك ؛ قال : فإني أدعوك إلى النـزال ؛ فقال له : لم يابن أخي ؟ فوالله ما أحب أن أقتلك ، قال له علي : لكني والله أحب أن أقتلك ؛ فحمى عمرو عند ذلك ، فاقتحم عن فرسه ، فعقره ، وضرب وجهه ، ثم أقبل على علي ، فتنازلا وتجاولا ، فقتله علي رضي الله عنه . وخرجت خيلهم منهزمة ، حتى اقتحمت من الخندق هاربة .
ما قاله علي رضوان الله عليه من الشعر في قتله عمرو بن عبد ود
قال ابن إسحاق : وقال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في ذلك :
نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت ربّ محمد بصوابي
فصدرت حين تركته متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطَّر بزَّني أثوابي
لا تحسبن الله خاذلَ دينه * ونبيه يا معشر الأحزاب .
قال ابن هشام : واكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلي بن أبي طالب .








